تساءل رئيس الجمهورية حول المصلحة الحقيقية للشعب الأمريكي من الحرب الجارية، موضحاً أن "بدء الهجمات على البنية التحتية الحيوية لإيران، بما في ذلك منشآت الطاقة والصناعة، عمل يستهدف الشعب الإيراني بشكل مباشر؛ ما يعني توسيع رقعة عدم الاستقرار، ومضاعفة الخسائر البشرية والاقتصادية، وإطلاق دوامة من التوتر وزرع بذور الكراهية التي ستظل آثارها باقية لسنوات. إن هذا المسار ليس دليلاً على القوة، بل هو علامة الارتباك والعجز في التوصل إلى حل مستدام."
أكد رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور مسعود بزشكيان، في رسالة وجهها إلى الشعب الأمريكي والباحثين عن الحقيقة وحياة أفضل وسط الكم الهائل من التضليل والروايات المختلقة، أن الاعتداءات الأمريكية الأخيرة انطلاقاً من القواعد الإقليمية قد أثبتت الطبيعة التهديدية للتواجد العسكري للولايات المتحدة حول إيران، مشدداً على أنه في مثل هذه الظروف، لن تتخلى أي دولة عن تعزيز قدراتها الدفاعية.
وأوضح الرئيس بزشكيان، في رسالته، أن العالم يقف اليوم عند نقطة أصبح فيها الاستمرار في مسار التصادم أكثر كلفة وعقماً من أي وقت مضى وأن الاختيار بين التصادم والتعامل هو اختيار حقيقي ومصيري سترسم تداعياته مستقبل الأجيال القادمة، مؤكداً أن إيران شهدت عبر آلاف السنين من تاريخها الحافل بالفخر غزاة كثر، لم يبق منهم سوى الخزي والعار في التاريخ، بينما ظلت إيران صامدة شامخة.
وفيما يلي نص رسالة رئيس الجمهورية:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى شعب الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى الذين يبحثون عن الحقيقة وحياة أفضل وسط الكم الهائل من التضليل والروايات المختلقة.
إن إيران، بهذا الاسم وهذه الهوية وهذا الوجود، هي إحدى أعرق الحضارات المتواصلة في تاریخ البشرية؛ حضارة رغم امتلاكها تفوقاً تاريخياً وجغرافياً في مراحل متعددة، إلا أنها لم تختر في تاريخها المعاصر أبداً مسار الحرب والعدوان والاستعمار أو الهيمنة. ورغم تجربة الاحتلال والعدوان والضغوط المفروضة من قبل القوى العالمية، ورغم قدراتها العسكرية المتفوقة مقارنة بكثير من الدول المحيطة بها، لم تكن يوماً البادئة بالحرب، لكنها دحرت المعتدين بكل بسالة.
إن الشعب الإيراني لا يحمل أي عداء تجاه الشعوب الأخرى، بما في ذلك شعوب الولايات المتحدة وأوروبا ودول الجوار. لقد دأب الإيرانيون دوماً على الفَصل بين الشعوب والحكومات حتى في مواجهة تدخلات الحكومات الأجنبية وضغوطها عبر التاريخ؛ وهذا أصل راسخ في فكر وثقافة هذا الشعب، وليس مجرد موقف عابر.
وعليه، فإن تقديم صورة عن إيران بوصفها تهديداً لا ينسجم مع الوقائع التاريخية ولا مع الحقائق الموضوعية المعاصرة. إن هذه الصورة هي صنيعة الاحتياجات السياسية والاقتصادية لهياكل السلطة؛ الحاجة إلى صناعة عدو لتبرير الضغوط، والحفاظ على التفوق العسكري، وإنعاش صناعة الأسلحة، وإدارة الأسواق الاستراتيجية. وفي إطار كهذا، إذا لم يكن هناك تهديد، يتم اختلاقه.
ونتيجة لهذا النهج، نشهد اليوم أكبر حشد للقوات والقواعد والقدرات العسكرية الأمريكية حول إيران، التي لم تبدأ أي حرب منذ فجر تاريخ الولايات المتحدة على الأقل. إن الاعتداءات الأمريكية الأخيرة انطلاقاً من هذه القواعد، قد أثبتت الطبيعة التهديدية لهذا التواجد، ومن البديهي أنه لن تتخلى أي دولة، في ظل هذه الظروف، عن تعزيز قدراتها الدفاعية؛ فما قامت وتقوم به إيران ليس إلا رد فعل ودفاعاً، وليس بدءاً لهجوم أو حرب أو عدوان.
لم تكن العلاقات الإيرانية الأمريكية قائمة على التصادم، وكان التواصل بين الشعبين يمضي دون عداء وتوتر. وكان انقلاب عام 1953 نقطة التحول في هذا المسار؛ ذلك التدخل الذي استهدف مواجهة تأميم الثروات الإيرانية، مما أوقف مسار الديمقراطية، وأعاد الديكتاتورية، وأدى إلى انعدام الثقة في أذهان الإيرانيين تجاه السياسات الأمريكية. وقد تعمق انعدام الثقة يوماً بعد يوم من خلال دعم النظام الحاكم قبل الثورة، ومساندة صدام حسين في الحرب المفروضة، وفرض أطول وأوسع العقوبات، وصولاً إلى الإجراءات العسكرية المباشرة ضد إيران.
ورغم هذه الضغوط، لم تضعف إيران فحسب، بل تعززت في مختلف المجالات، فالنمو الهائل لمعدل الإلمام بالقراءة والكتابة إلى ثلاثة أضعاف (من 30% إلى 90%)، وتطوير التعليم العالي، والتقدم في التقنيات الحديثة، وانتشار الخدمات الصحية، وتعزيز البنية التحتية بنحو هائل ومنقطع النظير، كلها تظهر الإمكانيات الداخلية لهذا البلد وقدرته على التكيف. هذه الحقائق يمكن مشاهدتها وقياسها بعيداً عن الروايات الإعلامية.
ولا يمكن بطبیعة الحال تجاهل الآثار المدمرة واللاإنسانية للعقوبات والحرب والعدوان على حياة الشعب الإيراني الأبي. إن استمرار الإجراءات العسكرية، بما فيها الهجمات الأخيرة، يؤثر بشكل طبيعي على رؤية ومشاعر الشعوب. هذه حقيقة إنسانية أن الناس الذين يدفعون ثمن الحرب بدمائهم وبيوتهم ومدينتهم ومستقبلهم، لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه المتسبب بها.
وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: هذه الحرب تخدم أي مصلحة حقيقية للشعب الأمريكي تحديداً؟ ما هو التهديد الحقيقي الذي شكلته إيران ليبرر هذه الإجراءات؟ وهل قتل الأطفال الأبرياء، وتدمير مراكز تصنيع أدوية السرطان، أو التهديد بقصف شعب واعادته إلى العصور الحجرية، له فائدة سوى زيادة تشويه الصورة العالمية للولايات المتحدة؟
لقد سلكت إيران مسار التفاوض، وتوصلت إلى اتفاق، ونفذت كافة التزاماتها؛ إن الانسحاب من الاتفاق والتوجه نحو المواجهة، ومن ثم شن هجومين في خضم المفاوضات، كانت قرارات مدمرة اتخذتها الإدارة الأمريكية تلبية لأطماع المعتدين الأجانب.
إن بدء الهجمات على البنية التحتية الحيوية لإيران، بما في ذلك منشآت الطاقة والمنشآت الصناعية، خطوة تستهدف الشعب الإيراني بشكل مباشر؛ وبالإضافة إلى كونها جريمة حرب، فإن تداعياتها ستتجاوز حدود إيران بلا أدنى شك. إن هذه الهجمات تعني توسيع رقعة عدم الاستقرار، ومضاعفة الخسائر البشرية والاقتصادية، وإطلاق دوامة من التوتر وزرع بذور الكراهية التي ستظل آثارها باقية لسنوات. إن هذا المسار ليس دليلاً على القوة، بل هو علامة الارتباك والعجز في التوصل إلى حل مستدام.
أليست الحقيقة أن الولايات المتحدة قد تدخلت في هذا العدوان باعتبارها وكيلة لإسرائيل وبتحريض من هذا الكيان؟ أليست الحقيقة أن إسرائيل كانت تريد تحويل الرأي العام العالمي عن جرائمها وتوجيه الأنظار نحو تهديد وهمي اختلقته حول إيران؟ أليست الحقيقة أن إسرائيل قررت الآن محاربة إيران حتى آخر جندي أمريكي وآخر سنت من ضرائب الأمريكيين، لكي تفرض التكاليف على إيران ودول المنطقة والولايات المتحدة، بينما تظل هي في هامش الأمان؟ هل حقاً تتصدر الولايات المتحدة قائمة أولويات الإدارة الأمريكية اليوم؟
إنني أدعوكم، بدلاً من الالتفات إلى الدعاية الإعلامية الممنهجة، التي هي جزء من الحرب، أن تنظروا إلى أصدقائكم الذين زاروا إيران، وإلى إحصائيات الإيرانيين الذين يدرسون ويجرون الأبحاث في أفضل جامعات العالم أو يعملون في أهم الشركات بعد تخرجهم في إيران؛ فهل تتطابق هذه الحقائق مع ما ترويه وسائل الإعلام لكم عن إيران؟
يقف العالم اليوم عند نقطة أصبح فيها الاستمرار في مسار التصادم أكثر كلفة وعقماً من أي وقت مضى. إن الاختيار بين التصادم والتعامل هو اختيار حقيقي ومصيري؛ سترسم تداعياته مستقبل الأجيال القادمة. لقد شهدت إيران عبر آلاف السنين من تاريخها الحافل بالفخر غزاة كثر، لم يبق منهم سوى الخزي والعار في التاريخ، بينما ظلت إيران صامدة شامخة.
مسعود بزشكيان
رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية