في كلمة خلال المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية؛

الرئيس بزشكيان يعتبر الوحدة الإسلامية ضرورة استراتيجية ويؤكد استعداد إيران لبناء ترتيبات أمنية مشتركة مع الجيران

الترمیز : 165468 الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ - 11:40
الرئيس بزشكيان يعتبر الوحدة الإسلامية ضرورة استراتيجية ويؤكد استعداد إيران لبناء ترتيبات أمنية مشتركة مع الجيران

أكد رئيس الجمهورية أن الوحدة الإسلامية لا تعني تطابق المسلمين، مشدداً على أن تحويل الطاقات المتفرقة للعالم الإسلامي إلى إرادة وقوة مشتركة رهن بإدارة الخلافات، والالتزام بالعدالة، وضمان الأمن المتبادل، وتوسيع التعاون العلمي والاقتصادي بين الدول الإسلامية.

الرئيس بزشكيان يعتبر الوحدة الإسلامية ضرورة استراتيجية ويؤكد استعداد إيران لبناء ترتيبات أمنية مشتركة مع الجيران

ألقى رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور مسعود بزشكيان، صباح اليوم الخميس 27 آب/أغسطس 2026، كلمة في المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية، استهلها بإحياء ذكرى الشهداء، ولا سيما قائد الثورة الشهيد، والعلماء، والتلاميذ والمواطنين الشهداء، فيما خاطب العلماء والمفكرين والنخب في العالم الإسلامي، والضيوف والحضور من الإخوة والأخوات قائلاً: أهنئ جميع مسلمي العالم بمناسبة ذكرى ميلاد رسول الرحمة والعدالة، النبي محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، وميلاد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).

وأكد الرئيس بزشكيان أن مؤتمر هذا العام ينعقد في ظروف استثنائية ومختلفة، مضيفاً أن "موضوع المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية هو الوحدة الإسلامية في فكر إمامنا وشهيدنا سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي، الرجل الذي كان يعتبر الوحدة الإسلامية ليس مجرد تكتيك سياسي أو مصلحة مؤقتة، بل قضية استراتيجية لعزة الأمة الإسلامية واستقلالها ومستقبلها. وكان القائد الشهيد يعدّ وجود النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أكبر محور لوحدة المسلمين، وحذّر مراراً من أن الاختلاف أمر طبيعي، لكن تحويله إلى عداوة وصراع يبدد قوة الأمة."

وفي تبيينه لمعنى الوحدة الإسلامية، أوضح رئيس الجمهورية أن "الوحدة لا تعني التطابق، بل تعني ألا تجعل اختلافاتنا المسلمين أعداء لبعضهم البعض. فالشيعي سيبقى شيعياً، والسني سنياً، ولن تزول المذاهب الفقهية والكلامية، كما ستبقى الشعوب والدول والمصالح الوطنية، لكن السؤال هو: هل ينبغي للخلاف الفقهي أن يجعل دم المسلم مباحاً؟ وهل يجب أن يقود الخلاف السياسي دولة إسلامية إلى التعاون في الهجوم على دولة إسلامية أخرى؟ وهل ينبغي أن تصل المنافسة بين الحكومات إلى حدّ يُؤمَّن فيه أمن شعب مسلم على حساب انعدام أمن شعب مسلم آخر؟"

واعتبر أن جواب القرآن على هذه الأسئلة واضح، مستشهداً بقوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، وقوله تعالى: «فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً». كما أشار إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المسلم أخو المسلم»، وقوله: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، موضحاً أن النبي بيّن، عندما سُئل عن كيفية نصرة الظالم، أن نصرته تكون بمنعه من الظلم.

ودعا الرئيس بزشكيان الحاضرين إلى الابتعاد عن عالم المثاليات والنظر إلى واقع العالم الإسلامي، قائلاً: "إننا اليوم لا نتحدث عن مجموعة صغيرة تعيش على هامش العالم؛ فأكثر من ملياري مسلم، أي ما يقارب ربع البشرية، يعيشون في العالم، كما أن 57 دولة أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. وتمتد جغرافيا العالم الإسلامي من جنوب شرق آسيا إلى آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأفريقيا، وتشير أحدث التقديرات إلى أن عدد المسلمين في عام 2020 تجاوز ملياري نسمة، بما يعادل 25.6 في المئة من سكان العالم."

وأشار إلى الطاقات الواسعة التي تمتلكها الدول الإسلامية، مضيفاً أن "العالم الإسلامي يقع في قلب عدد من أهم الطرق البحرية والبرية، ويتمتع بموارد هائلة من الطاقة، وسكان من فئة الشباب، وسوق كبيرة، ومراكز حضارية تاريخية، فضلاً عن قدرات مهمة في المجالات الصناعية والمالية والعلمية والتقنية. إن اقتصاد الدول الـ57 الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بلغ عام 2024 نحو 9.2 تريليون دولار، إلا أن هذا الرقم، على الرغم من ضخامته، لا يمثل سوى 8.3 في المئة من الاقتصاد العالمي، فيما كانت صادرات هذه الدول إلى بعضها البعض في العام نفسه 19 في المئة فقط، ولا يزال أكثر من أربعة أخماس صادرات الدول الإسلامية يتجه إلى خارج هذه المجموعة."

وأكد رئيس الجمهورية أن هذه الأرقام ينبغي أن تدفع العالم الإسلامي إلى التفكير، مبيناً أنه "لدينا أكثر من ملياري إنسان مسلم، و57 دولة إسلامية، وموارد هائلة من الطاقة، وطرق حيوية للتجارة العالمية، ورؤوس أموال، وأسواق، وسكان من الشباب، لكن ثقلنا المشترك في كثير من القرارات الكبرى في العالم لا يتناسب مع هذه القدرات."

وأشار إلى الحروب والاحتلال والنزوح وانعدام الأمن في الأراضي الإسلامية، قائلاً إن "السؤال الأهم هو: لماذا لا تزال الأراضي الإسلامية من أهم بؤر الحروب والاحتلال والنزوح وانعدام الأمن في العالم؟ من فلسطين وغزة إلى السودان ولبنان واليمن ومناطق أخرى يدفع فيها المسلمون منذ سنوات ثمن الصراعات والاحتلال والتطرف وتنافس القوى."

وصرح الرئيس بزشكيان بأنه يتحدث هذا العام عن إيران تعيش هي نفسها وسط الحرب، موضحاً أنه "بينما كان مسار الحوار بين إيران والولايات المتحدة مستمراً لحل الخلافات، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عسكرية واسعة ضد إيران. فاستشهد قائد البلاد، وقادة عسكريون ومسؤولون وعلماء وطلاب جامعات وتلاميذ ومواطنون عاديون، كما استهدفت مدن البلاد وبناها التحتية. لم نكن نحن البادئين بالحرب، لكننا وقفنا في وجه هذا العدوان بقوة."

واستشهد بقوله تعالى: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير»، مبيناً أن "الشعب الإيراني تعرض للظلم، بينما الدفاع عن الوطن حق لكل الشعوب، وقد مارست إيران هذا الحق"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى قوله تعالى: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى»، مؤكداً أن "الدفاع عن إيران لا يعني العداء للشعوب المجاورة أو الشعوب الإسلامية، ولا ينبغي لأي أرض إسلامية أن تتحول إلى منصة للاعتداء على أرض إسلامية أخرى، كما لا ينبغي لأي دولة إسلامية أن تبحث عن أمنها في انعدام أمن جيرانها."

وأعلن رئيس الجمهورية استعداد إيران لإقامة ترتيبات أمنية مشتركة مع الدول المجاورة، قائلاً إن "إيران تمد يدها إلى جيرانها لبناء مثل هذه الترتيبات، لا من موقع ضعف، بل استناداً إلى تجربة الحرب. فنحن نعرف ما هي الحرب، ونعرف أن الصاروخ والقنبلة عندما يسقطان لا يميزان بين آمال أم إيرانية وأم عربية."

واعتبر أن دعم إيران لفلسطين يقوم على الدفاع عن المظلوم، موضحاً أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدعم فلسطين منذ أكثر من أربعة عقود، لا لأن الفلسطينيين شيعة، وهم ليسوا كذلك، بل لأنهم مظلومون، وهذا هو بالنسبة لنا معنى حمل راية الإسلام. حيث يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصية: أوصيكما بتقوى الله وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحق واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً."

وطرح الرئيس بزشكيان عدة مقترحات للعالم الإسلامي اليوم، أولها "إنشاء ميثاق للأمن المتبادل وعدم الاعتداء بين الدول الإسلامية"، قائلاً إن "على الدول الإسلامية أن تلتزم باحترام السلامة الإقليمية لبعضها البعض، وألا تستخدم أراضيها أو أجواءها أو إمكاناتها للاعتداء على دولة إسلامية أخرى، وألا تدعم التقسيم أو زعزعة استقرار بعضها البعض، وألا تعرّف أمنها ضد بعضها البعض، بل أن تدير أمن المنطقة من خلال التعاون المشترك."

وأوضح رئيس الجمهورية أن مثل هذا الميثاق لا يعني إنشاء تحالف عسكري أو توحيد السياسات الخارجية للدول، بل يمثل الحد الأدنى الذي تقتضيه الحكمة الجماعية، متسائلاً: "إذا لم نتمكن من إرساء مثل هذه القاعدة فيما بيننا، فكيف يمكننا الحديث عن نظام عادل في العالم؟"

واعتبر أن مقترحه الثاني يتمثل في إنشاء آلية دائمة للوساطة والوقاية من النزاعات في العالم الإسلامي، مستشهداً بقوله تعالى: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون».

وأكد الرئيس بزشكيان ضرورة تعزيز قدرات منظمة التعاون الإسلامي على حل الخلافات، مبيناً أن "هذه المنظمة ينبغي أن تكون قادرة على التدخل قبل أن يتحول الخلاف إلى حرب، لا أن تكتفي بإصدار البيانات بعد مقتل آلاف الأشخاص."

وطرح مقترحه الثالث، والمتمثل في تحويل العالم الإسلامي من مجموعة من الأسواق المنفصلة إلى شبكة من التعاون الحقيقي، مؤكداً أن "الوحدة ليست قضية أمنية فحسب. فينبغي أن يتمكن الشاب المسلم من الدراسة في جامعات دولة إسلامية أخرى بسهولة أكبر، وأن يكون لعلمائنا مشاريع مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطب والمياه والطاقة والزراعة والتقنيات الحديثة، كما يجب أن تتجه رؤوس أموال الدول الإسلامية بصورة أكبر نحو التنمية والتقنية داخل العالم الإسلامي، وأن تزداد التجارة البينية فيه بصورة جادة."

ودعا رئيس الجمهورية إلى تشكيل فرق عمل مشتركة بين الدول الإسلامية، مضيفاً أنه "يمكننا توظيف مواردنا المشتركة ضمن فرق عمل في مجالات البنية التحتية، والنقل والخدمات اللوجستية، والتجارة والاستثمار، والزراعة، والاقتصاد الرقمي، والتنمية القائمة على البحر، وتنمية المهارات، والإنتاج، والطاقة النظيفة، وسائر المجالات المتاحة. لقد تحدثنا لسنوات طويلة عن الأعداء المشتركين، وقد حان الوقت لأن نتحدث، بالقدر نفسه، عن مستقبلنا المشترك."