في كلمة خلال قمة المؤتمر الـ17 لأطراف اتفاقية التنوع البيولوجي بالعاصمة الأرمينية يريفان؛

الرئيس بزشكيان يؤكد دور حماية التنوع البيولوجي في دبلوماسية السلام ويدعو لعدم تحميل الدول المعرضة للحروب والعقوبات وحدها التكاليف البيئية الناجمة عنها

الترمیز : 166382 الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ - 10:51
الرئيس بزشكيان يؤكد دور حماية التنوع البيولوجي في دبلوماسية السلام ويدعو لعدم تحميل الدول المعرضة للحروب والعقوبات وحدها التكاليف البيئية الناجمة عنها

أدان رئيس الجمهورية الآثار المدمرة للحروب العدوانية على الطبيعة، واصفاً إياها بـ"الإبادة البيئية"، فيما دعا المجتمع الدولي إلى إنشاء آليات فعالة وشفافة وقابلة للتنفيذ لحماية التراث الطبيعي والتنوع البيولوجي في زمن الحروب.

الرئيس بزشكيان يؤكد دور حماية التنوع البيولوجي في دبلوماسية السلام ويدعو لعدم تحميل الدول المعرضة للحروب والعقوبات وحدها التكاليف البيئية الناجمة عنها

ألقى رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور مسعود بزشكيان، اليوم الجمعة 16 تشرين الأول/أكتوبر 2026، كلمة خلال قمة المؤتمر السابع عشر للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، اعتبر فيها أن الحرب ليست مجرد تهديد للبشر والبنى التحتية، بل هي أيضاً سبب مباشر لتدمير الطبيعة، مبيناً أن "الحرب تحرق الغابات، وتدمر الأراضي الرطبة، وتلوث التربة والمياه، وتهجر الأنواع الحيوانية."

وفيما يلي نص كلمة الرئيس بزشكيان خلال قمة مؤتمر الأطراف في اتفاقية التنوع البيولوجي (كوب 17) المنعقد في العاصمة الأرمينية يريفان:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد باشينيان، والسيد الأمين العام؛

السادة رؤساء الحكومات والوفود الموقرون؛

الأمينة التنفيذية الموقرة لاتفاقية التنوع البيولوجي؛

السيدات والسادة؛

أود في البداية أن أعرب عن تقديري للسيد نيكول باشينيان، رئيس الوزراء المحترم، ولحكومة وشعب جمهورية أرمينيا الصديقة والجارة، على استضافة هذا الحدث المهم وتوجيه الدعوة للمشاركة فيه.

إنه لمن دواعي سروري أن أتواجد بين أسرة اتفاقية التنوع البيولوجي العالمية، التي ترى في حماية الطبيعة حمايةً لمستقبل البشرية. إننا نقف اليوم عند منعطف تاريخي لم يعد فيه التنوع البيولوجي مجرد قضية علمية أو بيئية، بل أصبح قضية ترتبط بالسلام والأمن، والصحة، والأمن الغذائي والمائي، والعدالة بين الأجيال لجميع سكان الأرض.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أوائل الدول التي اعترفت بالأهمية القانونية والدولية لهذه القضية وانضمت إلى اتفاقية التنوع البيولوجي. غير أن علاقة إيران بالتنوع البيولوجي لا تقتصر على تاريخ انضمامنا إلى اتفاقية دولية.

إن إيران، بما تتمتع به من تاريخ عريق في العيش بتناغم وانسجام مع الطبيعة، ومن تنوع لافت في النظم البيئية والأنواع والموارد الجينية، هي وريثة ثروة قيّمة وفريدة نتجت عن ملايين السنين من تطور الطبيعة وحيويتها وتكيفها، وانعكست أيضاً في ثقافة سكان هذه الأرض وعاداتهم وتقاليدهم وسبل عيشهم ومعارفهم المحلية وهويتهم التاريخية.

وبفضل موقعها الجغرافي الاستثنائي، تقع إيران عند نقطة التقاء أقاليم جغرافية حيوية مختلفة؛ من غابات هيركاني وأرسباران إلى جبال زاغروس، ومن المناطق الجافة والصحراوية إلى سواحل الخليج الفارسي وبحر عُمان وبحر قزوين، التي تعدّ ملاذاً لآلاف الأنواع النباتية والحيوانية والموارد الجينية القيّمة. وتشكل أساس استدامة هذه الأرض، وقاعدة متينة لتوفير المياه والغذاء والصحة والأمن البيولوجي والقدرة على الصمود في مواجهة المخاطر الطبيعية، وضمانة للتنمية المستدامة للبلاد.

في إيران، يتداخل التنوع البيولوجي، إلى جانب التنوع المناخي والجغرافي، مع تاريخ الإنسان وحضارته. فالصداقة مع الطبيعة واحترامها وحمايتها جزء من الهوية الثقافية والدينية والطقوسية للإيرانيين، وقد عُدّت دائماً جزءاً من حياة الإنسان وأمانةً للأجيال القادمة. كما أن كثيراً من أنماط الحياة والزراعة وتربية الماشية واستخدام النباتات الطبية والمعارف المحلية لدى الشعب الإيراني قد تشكلت عبر التاريخ على أساس فهم الطبيعة والتكيف معها، وهي ثمرة آلاف السنين من التفاعل بين الإنسان والطبيعة.

ومن هذا المنطلق، فإن حماية التنوع البيولوجي بالنسبة إلى إيران لا تعني حماية الأنواع وموائلها فحسب، بل تعني حماية إرث طبيعي وثقافي وحضاري.

في بلادي، واستناداً إلى ثقافة راسخة في احترام الطبيعة، وبما يتماشى مع الأهداف والالتزامات الوطنية والعالمية، جرى إعداد واعتماد وثيقة الاستراتيجيات وخطة العمل الوطنية للتنوع البيولوجي. كما تم تعيين منظمة حماية البيئة كمنسق وطني، وأقرت الحكومة آلية للمشاركة غير الحكومية مع إعطاء الأولوية للمجتمعات المحلية. وتُعد حماية الأنواع المهددة وإعادة تأهيل المجموعات المعرضة للخطر، بما في ذلك زيادة المناطق المحمية ومراقبة الأنواع المميزة للحياة البرية، من الأولويات الرئيسية.

السيدات والسادة؛

أرى اليوم ضرورة التطرق إلى قضية لا يمكن تجاهلها في النقاش العالمي حول التنوع البيولوجي، وهي الحرب.

فالحرب لا تستهدف البشر والبنى التحتية الاقتصادية وحدهم، بل تلحق الضرر بالطبيعة أيضاً؛ إذ تحرق الغابات، وتدمر الأراضي الرطبة، وتلوث التربة، وتهدد الموارد المائية، وتقضي على الموائل، وتهجّر الأنواع الحيوانية، وتُدخل المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة في الدورات الطبيعية. وقد تستمر آثار الحرب على البيئة سنوات طويلة بعد انتهاء الأعمال العدائية.

وبات المجتمع الدولي يدرك جيداً أن تدمير البيئة أثناء النزاعات المسلحة ليس أثراً جانبياً للحرب يمكن الاستهانة به، فهذه الأضرار ترتبط مباشرة بأمن الأجيال القادمة ورفاهها.

وفي منطقتنا، بما فيها إيران، ينبغي للمجتمع الدولي أن يولي اهتماماً أكبر للآثار البيئية للنزاعات العسكرية. إن الحرب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في منطقتنا، وما رافقها من أضرار لحقت بالمنشآت الصناعية ومنشآت الطاقة، وحرائق وانبعاثات للملوثات وتلوث للتربة والمياه، قد هددت النظم البيئية الطبيعية ودمرت البنى التحتية المخصصة للحماية، والتي أُنشئت على مدى سنوات من الجهود الرامية لحماية التنوع البيولوجي.

ولا تقتصر هذه المسألة على الشؤون الداخلية أو على الحدود السياسية لدولة بعينها؛ فالطبيعة لا تعترف بالحدود السياسية، كما أن انتشار تلوث المياه والتربة والهواء لا يتوقف عند الحدود. ولذلك فإن الأضرار الناجمة عن الحرب تعتبر قضايا ذات طبيعة عالمية وتتطلب حلولاً دولية.

وقد تستمر آثار الحرب على النظم البيئية لسنوات، بل لأجيال، وتؤثر على مناطق تمتد لكيلومترات حولها. ومن الأمثلة على ذلك حجم الدمار الذي لحق بغزة المضطهدة، حيث يؤكد الخبراء أن أجزاء من تربتها قد لا تكون قادرة، لمئات السنين المقبلة، على احتضان الحياة ودوراتها الإيكولوجية الطبيعية والنباتية. فإن ما شهدته منطقتنا نتيجة الحروب العدوانية هو "إبادة بيئية"، ويجب إدانته.

ونتوقع من المجتمع الدولي إنشاء آليات فعالة وشفافة وقابلة للتنفيذ لحماية التراث الطبيعي والتنوع البيولوجي. فلا ينبغي لأي دولة، في زمن الحرب، أن تتعامل مع الطبيعة باعتبارها ضحية صامتة وعاجزة عن الدفاع.

السيدات والسادة؛

تعتبر جمهورية إيران الإسلامية نفسها ملتزمة بتنفيذ اتفاقية التنوع البيولوجي والأهداف العالمية لحماية الطبيعة. ونحن نعمل في إيران على حماية المناطق الطبيعية والأراضي الرطبة والغابات والمراعي وموائل الحياة البرية والموارد الجينية، إلى جانب التنمية المستدامة.

لكن ينبغي التحلي بالواقعية والإنصاف. فالدولة التي تواجه، من جهة، الضغوط الناجمة عن تغير المناخ والجفاف وشح المياه والتصحر وتراجع الموارد الطبيعية، ومن جهة أخرى آثار العقوبات الاقتصادية والقيود المفروضة على الوصول إلى التكنولوجيا والموارد المالية، وكانت على مدى عامين متتاليين، هدفاً لحروب إجرامية استُخدمت فيها أسلحة مدمرة ومحظورة على نطاق واسع، وفي كثير من الحالات، كان الهدف المتعمد هو تدمير البيئة، مثل الهجمات على خزانات الوقود في العاصمة، تحتاج إلى تعاون حقيقي من المجتمع الدولي لتنفيذ برامجها البيئية وتعويض الأضرار التي لحقت بها.

إن حماية التنوع البيولوجي ستظل في حدود المفاوضات وإصدار القرارات وتحديد الأهداف ما لم تتوافر الموارد المالية الكافية، وإمكانية الوصول العادل إلى المعرفة والتكنولوجيا، وبناء القدرات.

وإذا كنا نتوقع من البلدان النامية حماية غاباتها وأراضيها الرطبة وأنواعها ومواردها الجينية، فعلينا أيضاً أن نوفر لها الظروف اللازمة للوصول إلى الأدوات التي تمكنها من الاضطلاع بهذه المسؤولية. وهذا هو المعنى الحقيقي للعدالة البيئية.

نحن نرى أن تمويل التنوع البيولوجي يجب أن يكون أيسر وصولاً وأكثر إنصافاً، وأن يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للبلدان النامية.

كما ينبغي أن يكون نقل التكنولوجيا الحديثة وبناء القدرات وتطوير المعارف المحلية ومشاركة المجتمعات المحلية في صميم تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية.

وعلى المجتمع الدولي أن يقرّ بأن الدول الخاضعة للعقوبات الاقتصادية أو المعرضة لاعتداءات عسكرية يجب ألا تتحمل وحدها التكاليف البيئية للعقوبات أو الحروب التي لم تكن هي البادئة بها.

ومن هذا المنطلق، ندعو وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية والمنظمات والهيئات المعنية بالبيئة والتنمية المستدامة إلى تعزيز آليات حشد الموارد المالية، وتقييم الأضرار البيئية، وإعادة تأهيل النظم البيئية المتضررة، ودعم البلدان المتضررة في مواجهة التداعيات البيئية للنزاعات المسلحة.

الحضور الكريم؛

لا يمكن حماية التنوع البيولوجي من خلال حل واحد، أو بواسطة قطاع بعينه، أو عبر اضطلاع مؤسسة منفردة بهذا الدور.

إن إنقاذ كوكب الأرض وحماية البيئة يتطلبان فهماً وتفاهماً مشتركين بيننا جميعاً بشأن التحديات التي تواجه البشرية، واستخداماً مسؤولاً لمجموعة متنوعة من الحلول التي تراعي الظروف والأولويات والقدرات والمسارات الوطنية المختلفة، ولا تضع أعباء إضافية على كاهل البلدان النامية، بل توفر لها الإمكانات والفرص اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة وحماية الطبيعة في الوقت نفسه.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مستعدة للتعاون بصورة بنّاءة مع المجتمع الدولي في هذا الجهد المشترك، من خلال إتاحة قدراتها العلمية والأكاديمية وخبراتها أمام البلدان الأخرى.

نحن نعتقد أن حماية التنوع البيولوجي يمكن أن تكون أحد المجالات المهمة لـ"دبلوماسية السلام".

وفي منطقة تواجه أزمات أمنية ناجمة عن الوجود غير القانوني والتوسعي للقوى، وتغير المناخ، وشح المياه، وتدمير النظم البيئية، يمكن للتعاون البيئي أن يشكل جسراً بين الشعوب يمهد الطريق لتحقيق السلام والأمن للجميع، والسلام مع الطبيعة، ومستقبل يقوم على العيش في تناغم وانسجام معها.

مستقبل يخلو من الحرب والقتل والدمار، ويكون فيه التنوع البيولوجي أساساً مشتركاً لرفاه وازدهار الجيل الحاضر والأجيال القادمة.

شكراً لحسن استماعكم.

کلمات دلیله: