أكد رئيس الجمهورية أن بحر قزوين نظام بيئي مترابط، وأي ضرر يلحق بجزء منه ستظهر آثاره عاجلاً أم آجلاً في أنحاء هذا المسطح المائي، مبيناً أن "حماية بحر قزوين تتطلب، قبل كل شيء، إرادة سياسية مشتركة وتعاوناً مستمراً وتحركاً منسقاً من جانب جميع الدول الساحلية."
أعرب رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور مسعود بزشكيان، في كلمة له خلال قمة بحر قزوين البيئية، اليوم الجمعة 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن تقديره لرئيس جمهورية تركمانستان لإتاحته الفرصة للمشاركة في هذا الاجتماع المهم، مؤكداً أن القمة لا تناقش مجرد مسطح مائي، بل المصير المشترك للشعوب ومستقبل الأجيال القادمة والمسؤولية التاريخية تجاه أحد أثمن الموروثات الطبيعية في العالم.
وأوضح رئيس الجمهورية أن "هذا الموروث المشترك يواجه اليوم تهديدات خطيرة ومتزايدة، حيث أن الانخفاض المستمر في منسوب المياه، والتغيرات المناخية، وارتفاع درجات حرارة الهواء والمياه، والتلوث النفطي والصناعي، وتدمير الموائل الطبيعية، وتراجع الثروة السمكية، وتهديد الأنواع القيّمة، والضغوط التي تتعرض لها المجتمعات الساحلية، كلها مؤشرات تحذيرية لا يمكن ولا ينبغي تجاهلها."
وحذر الرئيس بزشكيان من أن "انخفاض منسوب بحر قزوين لم يعد مجرد مصدر قلق بيئي، بل تحول إلى قضية اقتصادية واجتماعية وإنسانية وحتى أمنية بالنسبة إلى المنطقة"، مضيفاً أن "انحسار المياه يفرض صعوبات على الموانئ والبنى التحتية الساحلية، ويدمر الموائل الطبيعية، ويهدد سبل عيش الصيادين والمجتمعات المحلية، ويؤثر في الأمن الغذائي وآفاق التنمية لدى الدول المطلة على البحر."
وأوضح أنه "لا يستطيع أي دولة بمفردها أن تقوم باحتواء هذه الأزمة، حيث أن بحر قزوين نظام بيئي مترابط، وأي ضرر يلحق بجزء منه ستظهر آثاره عاجلاً أم آجلاً في أنحاء هذا المسطح المائي. ومن هذا المنطلق، فإن حماية بحر قزوين تتطلب، قبل كل شيء، إرادة سياسية مشتركة وتعاوناً مستمراً وتحركاً منسقاً من جانب جميع الدول الساحلية"، مؤكداً أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترى أن الأزمات البيئية لا تعترف بالحدود السياسية، وأن التصدي الفعال لها يستلزم تجاوز الرؤى الوطنية الضيقة وتعزيز المسؤولية الإقليمية."
كما أشار رئيس الجمهورية إلى أنه "في عالم اليوم، الذي يواجه أزمات متعددة ومنافسات جيوسياسية وحروباً وعقوبات أحادية الجانب وتراجعاً في التعددية، يمكن أن يشكل التعاون البيئي أحد المجالات المهمة لبناء الثقة وتعزيز التقارب بين دول المنطقة."
وشدد على أن "البيئة يجب ألا تكون ضحية للخلافات السياسية أو المنافسات الاقتصادية أو التدخلات الخارجية"، مؤكداً ضرورة أن "تحدد الدول الساحلية مستقبل بحر قزوين في إطار التعاون الإقليمي، بالاعتماد على إمكاناتها العلمية والتقنية والمالية والبشرية، مع الاحترام الكامل للسيادة الوطنية والمصالح المشروعة لكل منها."
ولفت الرئيس بزشكيان إلى أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترى أن "المبدأ الأول في مواجهة هذه الأزمة هو الاستناد إلى العلم والبيانات المشتركة والتعاون الإقليمي"، محذراً من أن وتيرة التغيرات بلغت حداً يستوجب الانتقال من مرحلة "الرصد والوصف" إلى فصل جديد من "الإدارة المشتركة للأزمة" للسيطرة عليها.
كما أكد الدور المحوري لاتفاقية طهران، التي وقعتها الدول الساحلية الخمس عام 2003، بوصفها إطاراً لحماية بيئة بحر قزوين، مشيراً إلى أن هذه الاتفاقية تمثل أهم إطار قانوني إقليمي ملزم لحماية بيئة البحر، وقد عُقد الاجتماع السابع لأطرافها في طهران، بمشاركة جيدة وفاعلة من جميع الدول الساحلية، بالتزامن مع الذكرى العشرين لدخولها حيز التنفيذ.
وأوضح رئيس الجمهورية أن "اتفاقية طهران وبروتوكولاتها قد وفرت لنا إطاراً للتعاون الناجح والشامل بين الدول الساحلية في مجالات متعددة، بدءاً من مكافحة التلوث النفطي والتلوث الناجم عن الأنشطة البرية، وصولاً إلى حماية التنوع البيولوجي وتقييم الآثار البيئية العابرة للحدود والتغيرات المناخية وانخفاض منسوب بحر قزوين."
وشدد على أن "بحر قزوين يقع في منطقة تؤثر تطوراتها الجيوسياسية والأمنية بصورة مباشرة في مستقبل التعاون بين الدول الساحلية في مجالات الاقتصاد والترانزيت والبيئة"، موضحاً أنه "في ظل تصاعد المنافسات والنزاعات في العالم وتزايد محاولات فرض الإرادة السياسية والاقتصادية باستخدام أدوات الضغط، تكتسب حماية بحر قزوين بوصفه مجالاً للتعاون والاستقرار والتنمية المشتركة أهمية مضاعفة."
وأشار الرئيس بزشكيان إلى أن "السلام والاستقرار والأمن المستدام في منطقة بحر قزوين لن تكون مضمونة إلا إذا احترمت الدول الساحلية سيادة بعضها البعض ومصالحها المشروعة، ومنعت تحويل هذا الحوض الاستراتيجي إلى ساحة للمنافسات المدمرة ولحضور القوى من خارج المنطقة وتدخلها."
وأكد أن "أي هجوم عسكري يستهدف المنشآت الساحلية والموانئ والسفن ومستودعات الوقود والمنشآت الصناعية والبنى التحتية المرتبطة بالبحر، مثل الهجوم على ميناء أنزلي خلال الحرب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والهجوم المسلح الأوكراني على سفينة تجارية إيرانية، يهدد السلام والأمن الإقليميين، وينطوي كذلك على تداعيات بيئية محتملة عابرة للحدود"، مشدداً على ضرورة إدانة هذه الهجمات فوراً وبقوة من جانب جميع الدول الساحلية، ومحاسبة الجهة أو الجهات المعتدية.
وأوضح رئيس الجمهورية أن "تسرب الوقود والمواد الملوثة إلى البيئة البحرية، والإضرار بالموائل الساحلية، وتلوث الرواسب والمياه، فضلاً عن الأضرار التي تلحق بالتنوع البيولوجي، هي آثار قد تتجاوز كثيراً موقع الحادث عندما تقع في بحر ذي طبيعة خاصة مثل بحر قزوين"، مضيفاً أنه "لذلك، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أهمية الحفاظ على الطابع السلمي لبحر قزوين وضرورة حماية بيئته في ظروف النزاعات المسلحة."
وقال: "إننا اليوم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى الدبلوماسية البيئية"، مشيراً إلى أن "بحر قزوين يمكن أن يقدم نموذجاً ناجحاً لإمكانية تعاون الدول حول مصلحة مشتركة، حتى في ظل الخلافات السياسية والجيوسياسية. فرغم إمكانية اختلاف وجهات النظر بشأن قضايا عديدة، هناك حقيقة واحدة لا تقبل الشك، وهي أن أياً من الدول الساحلية لا يستطيع إنقاذ بحر قزوين بمفرده؛ فمياهه وتلوثه والتغيرات المناخية في المنطقة وآثار انخفاض منسوب مياهه لا تعترف بالحدود السياسية."
وأعلن الرئيس بزشكيان ترحيب الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقرار القمة الحالية إنشاء لجنة رفيعة المستوى تضم نواب رؤساء حكومات الدول الساحلية، مضيفاً أن إيران تقترح وضع برنامج إقليمي طويل الأمد وتنفيذه، في إطار اتفاقية طهران، لمواجهة انخفاض منسوب بحر قزوين.
وأضاف أن هذا البرنامج ينبغي أن يشمل سبعة محاور أساسية على الأقل، وهي كالآتي: "الرصد العلمي المشترك للعوامل المؤثرة في انخفاض منسوب المياه ووضع برنامج إقليمي شامل لمواجهته وتنفيذه؛ وتعزيز الآليات المشتركة لمكافحة التلوث البحري وحماية التنوع البيولوجي؛ وتعزيز مكانة اتفاقية طهران وتطوير آليات تنفيذها؛ وتكييف البنى التحتية الساحلية والموانئ مع التغيرات المستقبلية؛ وحماية الأراضي الرطبة والموائل الطبيعية والمناطق الحساسة بيئياً وإعادة تأهيلها؛ ودعم المجتمعات المحلية وقطاع الثروة السمكية وسبل عيش ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على بحر قزوين؛ وتوفير الموارد المالية والتكنولوجيا اللازمة لتنفيذ تدابير التكيف والحماية البيئية."
وأكد رئيس الجمهورية أنه "أمامنا خيار تاريخي اليوم، إذ يمكننا الاكتفاء بمراقبة انخفاض منسوب بحر قزوين باعتباره مساراً طبيعياً لا مفر منه، وانتظار تداعياته، أو أن نتحرك للحد من الأضرار وتعزيز قدرة هذا النظام البيئي الفريد على الصمود، بالاستناد إلى العلم والتعاون الإقليمي والإرادة السياسية"، مبيناً أن "خيار الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو التعاون، والعلم، وحماية بحر قزوين، ونقل هذا الموروث المشترك إلى الأجيال القادمة."
ودعا الرئيس بزشكيان إلى "تحويل بحر قزوين إلى رمز جديد للتعاون الإقليمي وجسر بين الشعوب بدلاً من أن يكون حدوداً تفصل بينها، لنثبت للأجيال القادمة أننا، عندما واجهتنا أزمة مشتركة، وقفنا معاً بصفتنا دولاً مطلة على بحر قزوين، وتعاونّا من أجل إنقاذه"، مختتماً بالتأكيد على أن "بحر قزوين ليس مجرد بحر، بل هو موروث مشترك، وحماية هذا الموروث مسؤولية مشتركة وتاريخية تقع على عاتقنا جميعاً."